محمد سعيد رمضان البوطي
348
فقه السيرة ( البوطي )
وفد ثقيف ودخوله في الإسلام وروى ابن إسحاق أنه صلى اللّه عليه وسلم قدم المدينة من تبوك في شهر رمضان ، وفي ذلك الشهر قدم عليه وفد ثقيف . وكانوا قد تشاوروا بينهم ، ورأوا أنه لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب ، وقد بايع كلهم وأسلموا ، فأرسلوا وفدا منهم يرأسهم كنانة بن عبد ياليل ، فلما دنوا من المدينة لقيهم المغيرة بن شعبة - وهو منهم - فاستقبلهم وعلّمهم كيف يحيّون رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عند دخولهم عليه ، ولكنهم لم يفعلوا إلا بتحية الجاهلية . وأنزل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وفد ثقيف في المسجد وبنى لهم خياما لكي يسمعوا القرآن ويروا الناس إذا صلّوا ، ومكث الوفد أياما عديدة يختلفون إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ويختلف إليهم وهو يدعوهم إلى الإسلام « 1 » . روى ابن سعد : أنه صلى اللّه عليه وسلم كان يأتيهم كل ليلة بعد العشاء ، فيقف عليهم يحدثهم حتى يراوح بين قدميه - أي يقوم على كل قدم مرة من التعب - « 2 » . روى موسى بن عقبة في مغازيه : أن عثمان بن أبي العاص كان في ذلك الوفد ، وكان أصغرهم ، فكانوا إذا ذهبوا إلى مجلس رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خلفوه على رحالهم ، فكان عثمان كلما رجع الوفد ، وقالوا في الهاجرة ، عمد فذهب إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فسأله عن الدين واستقرأه القرآن ، واختلف إليه عثمان على ذلك مرارا حتى فقه في الدين ، وكان إذا وجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نائما عمد فذهب إلى أبي بكر ، وكان يكتم ذلك من أصحابه ، فأعجب ذلك منه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأحبه . وأخيرا : دخل الإسلام أفئدتهم ، ولكن كناية بن عبد ياليل قال لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أفرأيت الزنى ، فإنا قوم نغترب ولا بدّ لنا منه قال : « هو عليكم حرام » ، فإن اللّه يقول : وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا ( 32 ) [ الإسراء : 32 ] . قالوا : أفرأيت الربا ،
--> ( 1 ) ابن هشام : 2 / 324 . ( 2 ) طبقات ابن سعد : 2 / 78 .